فضائيات {الطشة} ومهاويل التحليل السياسي

لم يعد التحليل السياسي في كثير من فضائياتنا مساحة للعقل البارد والرؤية المركبة، بل صار مسرحاً مفتوحا للضجيج تدار فيه الحناجر أكثر مما تدار الأفكار !.
شاشة تتبدل فيها الوجوه بسرعة، لكن النبرة واحدة: (صراخ، شتم، تشكيك، تراشق اتهامات، تسقيط، طرد) لا يبقى بعدها من السياسة سوى قشورها، وبشكل يخرج التحليل عن مساره وينفلت من رصانته.
ليغدو ظاهرة صوتية تتغذّى على الإثارة وتستقوي بالانفعال وتستسهل الإساءة!.
الفضائيات التي كانت تُفترض بها هندسة النقاش العام، انكفأت على مفهوم الطشّه (الشهرة) باستضافتها لمحللين ناشئين فكريا لا يجيدون سوى لغة الهتاف والزعيق لا قراءة السياق ولا تفكيك المصالح ولا تمييز بين التكتيك والاستراتيجية!.
كل ما في الامر سباق محموم على جملة نارية أو توصيف جارح أو موقف متشنج يُرضي جمهوراً مُستثارا أو حزبا يريد تسخين الشارع على مقاساته الخاصة. وفي هذا المناخ يُدفن الهدوء وتُقصى الرؤية العميقة، وتُستبدل الحكمة بارتفاع الصوت ومداه !.
صحيح إن المرحلة السياسية المعقّدة تحتاج إلى حمائم والى صقور وتحتاج إلى تبادل أدوار ومناورة ذكية، لكن ذلك لا يبرّر تحويل التحليل إلى أداة تعبئة فوضوية، فالسياسة ليست مهرجانًا خطابيا، ولا التحليل السياسي منصة لتصفية الحسابات، بالتالي يصبح الهدف هو التهييج وتحريك الراكد بما ينسجم مع التطلعات الضيقة للأحزاب، ونكون أمام خيانة صريحة لمهنة توضيح الحقائق، لا أمام اجتهاد في الرأي وتعديل في المسارات وتطمين الشارع وتحقيق السلم الاهلي.
بهذه الصورة، بات التحليل السياسي مهنة من لا مهنة له، أو وظيفة طارئة لمن يبحث عن نافذة عبور إلى الأضواء.
مرةً يتحول المحلل إلى أداة قمعية بيد حزب، ومرةً يتحول إلى طائر “زاجل” لنقل الرسائل أو “بلبل” يغرد حسب سياسة الفضائيات، ومرةً اخرى يتحول إلى متحدث رسمي بلا بطاقة تعريفية!! وبذلك تختفي الاستقلالية ويذوب الضمير المهني ويُستبدل السؤال التحليلي ببيانٍ هش الا انه مقنّع لجمهور خاص !.
نحن بأشد الحاجة إلى ثورة تصحيحية تعيد ضبط بوصلة الفضائيات الباحثة عن “الطشة” والتسقيط مقابل حفنة من المال السياسي، ثورة تُعيد الاعتبار للمعرفة وللتراكم وللخبرة التي لا تُقاس بعدد الصيحات، واعادة المحللين الموضوعيين إلى واجهة الفضائيات بعد حملة الاقصاء الممنهجة التي طالتهم. وبالتوازي نحتاج إلى ثورة بديلة عبر منصات التواصل الاجتماعي كمنافس رصين امام فضائيات “الطشة”، لا لتكريس الفوضى بل لتعديل المسارات وإعادة الرصانة إلى المهنة وممتهنيها وإفهام الناس بأن التحليل السياسي ليس شتيمة مُنمّقة، بل قراءة مسؤولة للمشهد ومآلاته.
اليوم لو بُعث الشاعر الجواهري الكبير مرة أخرى، وطُلب منه أن ينشد الشعر، فلن تجد له آذاناً مصغية ما دام “الشاعر المهوال” قد أمسك زمام المنصة، وصار ضجيجه هو البديل عن الرصانة. وتلك هي مفارقتنا المؤلمة وهي حين يعلو الصوت يختفي المعنى، وحين تُقصى الرصانة تُغتال الحقيقة ويصبح الوهم ساري المفعول!؟