الاصداراتالدراسات السياسيةالشؤون الإقليمية والدولية

تداعيات القصف الإسرائيلي للدوحة في سبتمبر 2025: استهداف الوساطة وسيادة الخليج

تمثل العملية العسكرية الإسرائيلية التي استهدفت قيادات لحركة حماس في العاصمة القطرية الدوحة في سبتمبر 2025، نقطة تحول بالغة الخطورة في مسار الصراع الإقليمي والتعامل مع الدول الوسيطة. وجاء هذا الهجوم غير المسبوق، الذي وصفته إسرائيل بـ “عملية قمة النار”، باستخدام صواريخ باليستية أطلقتها مقاتلات من مسافة بعيدة (هجوم “عبر الأفق”)، بهدف اغتيال قيادات حماس التي كانت تترأس الوفد المفاوض للتوصل إلى هدنة في غزة.

تعيد هذه التطورات طرح إشكالية العلاقة بين استراتيجيات الردع الإسرائيلية وسيادة الدول الخليجية الحليفة للولايات المتحدة، لا سيما في ظل التداعيات المحتملة على الدور القطري كوسيط رئيسي في قضايا المنطقة، وعلى أمن القواعد العسكرية الأجنبية في المنطقة. وفي هذا الإطار، تتراوح ردود الفعل الإقليمية بين الإدانة الحادة والترقب الحذر لموقف واشنطن، بينما تسعى قطر إلى تدويل الأزمة وتصنيف الهجوم كـ “إرهاب دولة”.

تهدف هذه الورقة إلى تحليل دلالات الاعتداء الإسرائيلي على الأراضي القطرية، وتقييم تأثيره على مسارات الوساطة الدبلوماسية بين إسرائيل وحماس، كما تستعرض التحديات التي يفرضها هذا العمل على السيادة الوطنية للدول الخليجية وعلاقاتها بالولايات المتحدة، بالإضافة إلى تقييم السيناريوهات المحتملة لمستقبل دور قطر الإقليمي.

يُعد الهجوم الإسرائيلي على الدوحة اختراقًا من الناحية التكتيكية، لكنه انتهاك استراتيجي للقانون الدولي والأعراف الدبلوماسية.

الآلية هي إجراء عسكري تكتيكي متقدم، حيث تم إطلاق صواريخ باليستية دقيقة من مقاتلات إسرائيلية متمركزة في البحر الأحمر (مسافة تزيد عن 1800 كم)، دون الحاجة لدخول المجال الجوي للدول المجاورة، أو الأجواء القطرية. وقد صُممت هذه الطريقة لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي القطرية وتفادي اكتشاف الهجوم من أنظمة الإنذار المبكر.

| الميزة | استهداف قيادات في مناطق صراع (تقليدي) | استهداف قيادات في الدوحة (سبتمبر 2025) |

| :— | :— | :— |

| الموقع | مناطق متنازع عليها أو دول “معادية” (سوريا، لبنان، غزة) | عاصمة دولة خليجية حليفة للولايات المتحدة |

| التداعيات القانونية | يُندد به غالبًا، لكن يندرج ضمن قواعد الاشتباك القائمة | انتهاك صارخ للسيادة وتصنيف كـ “إرهاب دولة” |

| التوقيت | غالباً ما يكون ردًا على هجوم أو تحرك عسكري مباشر | استهداف لـ “الوفد المفاوض” في أثناء بحثه عن هدنة |

نتج عن تفعيل عملية “قمة النار” في سبتمبر 2025 تداعيات مباشرة ومؤلمة على قطر وجهود الوساطة:

  • ضحايا مدنيون وعسكريون: أسفر القصف عن سقوط ضحايا، من بينهم مرافقون للوفد المفاوض لحركة حماس، بالإضافة إلى استشهاد عنصر أمن قطري، مما حول القضية من استهداف لحركة مصنفة إرهابياً إلى اعتداء على السيادة الوطنية القطرية.
  • تجميد مسارات التفاوض: أدى الهجوم، الذي وقع أثناء اجتماع الوفد لبحث مقترح هدنة، إلى نسف أشهر من الجهود الدبلوماسية التي تقودها قطر، وتجميد فعلي لمفاوضات تبادل الأسرى ووقف إطلاق النار، مما عزز الشكوك حول جدية إسرائيل في التوصل إلى اتفاق سياسي.
  • انتقادات لدور الوسيط: وضع الهجوم قطر في موقف حرج، حيث أظهر ضعف الحصانة التي كان من المفترض أن يوفرها دورها كـ “وسيط نزيه”، مما دفعها لمراجعة شاملة لآليات الوساطة واستضافة قيادات الفصائل.

يثير توقيت ومكان الهجوم تساؤلات عديدة حول الأهداف الحقيقية لتل أبيب، ويمكن تفسير هذا القرار بناءً على عدة دوافع رئيسية:

  • الضغط على الوسيط القطري: بعث رسالة واضحة للدوحة بضرورة ممارسة ضغط أكبر وحاسم على حماس للقبول بالشروط الإسرائيلية، أو التهديد بمزيد من العمليات داخل الأراضي القطرية.
  • إظهار القدرة الإقليمية (الردع): إظهار قدرة إسرائيل على ضرب أهداف بعيدة المدى باستخدام تكنولوجيا متقدمة (هجوم عبر الأفق)، مما يمثل رسالة ردع قوية لكل من إيران وحلفائها الإقليميين (رسالة “لا أحد في مأمن”).
  • تخريب جهود الهدنة: جاء الهجوم في لحظة مفصلية للمفاوضات، مما يشير إلى أن التيار المتشدد في القيادة الإسرائيلية ربما سعى لنسف جهود التهدئة والدفع نحو التصعيد العسكري الشامل.

أثر الهجوم بشكل كبير على العلاقة الاستراتيجية بين قطر والولايات المتحدة وعلى مفهوم “الحماية” في المنطقة:

  1. المراجعة الأمنية القطرية: أثارت الضربة تساؤلات قطرية عميقة حول فاعلية علاقتها العسكرية مع واشنطن، التي تستضيف قاعدة العديد الجوية، إحدى أكبر القواعد الأمريكية في الشرق الأوسط. وقد دفعت هذه الحادثة الدوحة إلى الإعلان عن ضرورة تجديد اتفاقية الدفاع مع واشنطن، لضمان حماية أكبر لسيادتها.
  2. أزمة الثقة بين الحلفاء: كشف الحادث عن أزمة ثقة بين واشنطن وحلفائها الخليجيين. إبلاغ الولايات المتحدة للدوحة بالهجوم كان متأخراً (بعد وقوع الضربة بدقائق)، مما عزز الشعور بأن الحماية الأمريكية ليست مضمونة بشكل مطلق، وخصوصاً عندما تتعارض المصالح الأمريكية-الإسرائيلية مع مصالح الدول المضيفة.
  3. إضعاف مكانة الوسيط: ضربة الدوحة تقوض مكانة قطر كـ “وسيط موثوق”، ليس فقط لحماس، بل للأطراف الغربية أيضاً. الوسيط يجب أن يكون في منطقة “آمنة”، وهذا الاعتداء ألغى مفهوم الحصانة الدبلوماسية للوسيط وأرضه.

تباينت مواقف الأطراف الرئيسية في المنطقة والمجتمع الدولي إزاء الهجوم:

  • قطر: الموقف الأشد حدة، حيث رفعت القضية إلى مجلس الأمن الدولي ووصفت الهجوم بـ “إرهاب دولة”، وطالبت المجتمع الدولي بالتحرك الفوري.
  • إسرائيل: تحملت المسؤولية الكاملة، ووصفت العملية بأنها “عملية إسرائيلية مستقلة تمامًا”، في محاولة لإبعاد الولايات المتحدة عن تحمل اللوم المباشر.
  • الولايات المتحدة: عبرت عن “عدم الرضا” وأكدت أن العملية ليست في مصلحة واشنطن، لكنها لم تتخذ أي إجراء عقابي ضد إسرائيل، واقتصر دورها على النأي بالنفس خطابياً.
  • الدول الخليجية: صدرت إدانات واسعة للهجوم كـ “انتهاك للسيادة”. المستشار السياسي لرئيس دولة الإمارات، أنور قرقاش، أكد أن “قطر لا تقف وحدها”، في إشارة لدعم خليجي إزاء هذا الانتهاك الإقليمي.

تواجه قطر تحدياً استراتيجياً حول كيفية الموازنة بين دور الوسيط وحماية سيادتها. وفيما يلي أبرز السيناريوهات المحتملة:

السيناريوالوصفالترجيح
السيناريو الأول: التكيف المحدود والضغط الدبلوماسي(الأكثر ترجيحًا): تواصل قطر دور الوساطة، لكن بشروط جديدة وأكثر صرامة لضمان أمن قيادات حماس على أراضيها. تركز الدوحة على الضغط الدبلوماسي الدولي لتدويل الهجوم، وتعمل على تعزيز اتفاقياتها الأمنية مع واشنطن وأطراف أخرى لضمان عدم تكراره. تهدف إلى “احتكار” الوساطة كأفضل دفاع.مرجح
السيناريو الثاني: التقليص التدريجي لدور الوساطة(متوسط الترجيح): تتخذ قطر قراراً استراتيجياً بخفض مستوى تمثيل حماس على أراضيها، أو سحب يدها تدريجياً من ملفات الوساطة المعقدة والخطيرة (مثل حماس)، خشية تكرار الانتهاك. يتم هذا التحول بهدوء لتجنب اتهامها بالتخلي عن مسؤوليتها، مع التركيز على دورها كمركز اقتصادي إقليمي.متوسط
السيناريو الثالث: القطيعة الاستراتيجية والتصعيد(الأقل ترجيحًا): رداً على الهجوم، قد تلجأ قطر إلى مراجعة علاقاتها مع الولايات المتحدة وإغلاق قناة التفاوض بالكامل، أو حتى التهديد بإنهاء استضافة قاعدة العديد. هذا الخيار يحمل تكلفة عالية جداً، ويؤدي إلى عزلة دولية وفقدان نفوذ، لكنه يظل مطروحاً في حال تكرار الانتهاكات.غير مرجح

وختامًا يمكن القول.. يشكل القصف الإسرائيلي للدوحة تهديداً مزدوجاً، فهو ضربة مباشرة لجهود التهدئة الإقليمية، وتحدٍ سافر لمبدأ سيادة الدول الحليفة للغرب. إن استمرار مثل هذه العمليات يقوض بشكل جذري آليات الدبلوماسية الإقليمية ويضع الدول الوسيطة في مرمى الاستهداف المباشر. يتوجب على المجتمع الدولي، لا سيما الولايات المتحدة، تبني موقف واضح وحازم لردع مثل هذه الانتهاكات التي تزيد من الفوضى، وتدفع بالمنطقة نحو تصعيد غير مسبوق، مما يؤثر على مصالح جميع الأطراف.

زر الذهاب إلى الأعلى