الأمن السيبراني: هل العراق جاهز للفضاء الرقمي؟

مقدمة — طرح الإشكالية
الحقيقة البسيطة: العراق دخل الفضاء الرقمي متأخرًا وبإيقاع غير متوازن. وازدياد الهجمات، هشاشة الأطر القانونية، وافتقار المؤسسات لخطط جاهزية واضحة يطرح سؤالًا عمليًا واحدًا — هل لدينا قدرة وطنية على حماية البُنى الحيوية الرقمية والبيانات الحساسة دون الاعتماد على حلول مؤقتة أو مساعدات خارجية؟ هذه الورقة تفكك الواقع، تقيم الفجوات، وتقترح خارطة طريق عملية لرفع الجاهزية.
أولاً: واقع القدرات والمؤسسات الوطنية
1. وجود استراتيجيات أولية لكن التنفيذ أضعف
صحيح أن العراق أقرّ استراتيجية وطنية للأمن السيبراني في السنوات الماضية (ذكر تقرير يظهر اعتماد استراتيجية وطنية في 2022)، لكن الفرق بين “وجود استراتيجية” و”تنفيذها فعليًا” شاسع. icts.gov.iq
2. هياكل استجابة طارئة متشكِّلة (IQ-CERT)
هناك فريق وطني للاستجابة للحوادث (IQ-CERT / CERT.gov.iq) بدأ يلعب دورًا في التنسيق والتدريب والشراكات، إلا أنه يواجه قيودًا في الموارد البشرية والتمويل والانتشار الجغرافي داخل مؤسسات الدولة. الشراكات الأخيرة مع شركات استخبارات التهديدات تظهر تحسّنًا لكنه لا يزال غير كافٍ. cybilportal.org+1
3. بيئة تهديدات نشطة ومتطورة
هجمات مرتبطة بجهات إقليمية (حملات تجسس وبرامج خبيثة موجهة) استهدفت جهات عراقية وكردية خلال 2024–2025، ما يوضح أن العراق صار هدفًا ملموسًا في جغرافيا المواجهة السيبرانية الإقليمية. The Hacker News+1
ثانياً: الفجوات الرئيسية (المخاطر التشغيلية والاستراتيجية)
1. نقص التشريع والتأطير القانوني
التحقيق القانوني والآليات القضائية بشأن الجرائم السيبرانية لا تزال متخلفة؛ كثير من التقييمات القانونية تشير إلى غياب تشريعات متخصصة وكافية لمعالجة الجرائم الرقمية وحماية الخصوصية. هذا يقيد تحقيق الردع القانوني وجذب استثمارات الأمن الرقمي. tamimi.com+1
2. القدرات البشرية والاحتفاظ بالمواهب
القدرة المحلية على رصد الهجمات والتحقيق الرقمي وصولاً للاستجابة المتقدمة محدودة. استنزاف الخبرات والهجرة وتحويل المواهب إلى القطاع الخاص أو للخارج يضعف الاحتفاظ بالمهارات الحيوية.
3. بنية تحتية قديمة ومشتّتة
أنظمة حيوية (نفط، كهرباء، حكومات محلية) تعمل على منصات قديمة تفتقد تحديثات أمنية منتظمة، والمكوّنات المورَّدة دوليًا تُعقّد استراتيجيات التكامل والأمن.
4. ضعف الثقافة المؤسسية وحوكمة المخاطر الرقمية
قلة برامج التوعية، وضعف إدارة الهوية والوصول، ونقص سياسات استمرارية الأعمال يعرض المنظمات لمخاطر تشغيلية مباشرة.
ثالثاً: مؤشرات تقدّم وفرص استراتيجية
1. إشارات إيجابية: اهتمام حكومي وتضمين في الخطط الوطنية
الخطط التنموية والأمنية تحتوي الآن على مكونات رقمية وسيبرانية، وهناك مبادرات لتدريب آلاف الكوادر وإجراء مسابقات وطنية لبناء القدرات. لكنّ التمويل والإطار المؤسسي هما المحددان الرئيسيان للنجاح. وزارة التخطيط+1
2. شراكات دولية وفرص سوقية
وجود تعاون مع مزوّدي استخبارات تهديدات وشركات أمنية دولية يفتح نافذة لتسريع اكتساب تقنيات كشف التهديدات وبناء مراكز عمليات أمان (SOC) مشتركة. هذه الشراكات يجب أن تُدار بعقود ترسخ نقل تقنية ومعرفة محلية، لا مجرد عقود خدمة قصيرة الأجل. businesswire.com
3. مجال شركات ناشئة ومحلية
بيئة ريادية صاعدة — شركات أمنية محلية قادرة على تقديم حلول مخصصة للبنية العراقية، شرط وجود حوافز سوقية وسياسات شراء تفضيلية تدعم الطلب الحكومي.
رابعاً: توصيات عملية — خارطة طريق جاهزة للتنفيذ (Business-oriented, pragmatic)
الهدف: خلال 24 شهراً رفع الحد الأدنى من الجاهزية الوطنية بحيث تستجيب المؤسسات الحكومية الحيوية لأي حادث سيبراني خلال ساعات/أيام، وتخفض الاعتماد الخارجي على حلول فورية.
1. حوكمة وسياسات (Quick wins — 0–6 أشهر)
- إصدار إطار تشغيلي وطني مُلزم للمؤسسات الحكومية (حد أدنى من السياسات: تحديثات، نسخ احتياطية، إدارة صلاحيات).
- إنشاء وحدة مركزية لشراء ودعم الأمن السيبراني تضمن عقود نقل تقنية وشروط بناء قدرات.
2. القدرات البشرية والبنية التحتية (6–18 أشهر)
- إنشاء 3 مراكز عمليات أمن (Regional SOCs) مرتبطة بمركز وطني واحد (IQ-CERT) بنموذج تمويل هجين (حكومي-خاص).
- برامج تدريب وتسريع (bootcamps) مع شراكات جامعية وحوافز وظيفية لاحتفاظ المواهب.
- تحديث أنظمة حيوية أساسية عبر برامج «تصحيح آمن» مدعومة بميزانية طوارئ للأمن.
3. التشريع والردع (6–24 أشهر)
- سن قانون جرائم إلكترونية عملي يجرم الهجمات ويحدد آليات التعاون الدولي، مع حماية لحرية التعبير (توازن بسيط — pragmatic).
- اتفاقيات تبادل معلومات استخبارات تهديدات مع دول ومؤسسات موثوقة (مع شروط واضحة لسيادة البيانات). tamimi.com+1
4. التمويل والاستدامة (مقترح مالي)
- تخصيص نسبة ثابتة (مثلاً 0.5–1%) من ميزانية القطاعات الحيوية للأمن الرقمي سنويًا.
- آليات تسريع الشراء (procurement fast-track) للحلول الأمنية مع بنود لنقل المعرفة المحلية.
خامساً: قياس الجاهزية — مؤشرات قابلة للقياس (KPIs)
- وقت اكتشاف الحادث (MTTD) — هدف ≤ 4 ساعات للمؤسسات الحيوية.
- زمن الاستجابة (MTTR) — هدف ≤ 48 ساعة لاستعادة الخدمات الحرجة.
- عدد الكوادر المعتمدة وطنياً في التحليل الرقمي — هدف +5,000 خلال سنتين.
- نسبة الأنظمة الحيوية التي تطبق تحديثات أمنية منتظمة — هدف 90% خلال 18 شهراً.
- وجود قانون جرائم إلكترونية مع آليات إنفاذ — مُنجز خلال 12–24 شهراً.
خاتمة / خلاصة مركزة
الإجابة المختصرة: لا، العراق ليس جاهزًا بالكامل، لكن الجاهزية قابلة للتحقيق بسرعة نسبية إذا تمّ الجمع بين حوكمة واضحة، استثمارات مستهدفة، وبرنامج بناء قدرات مدفوع بالعقود الذكية والشراكات. وعلينا أن نتحرّك بعقلية تجارية: استثمر الآن في البنية والناس والقوانين لتجنّب تكاليف أكبر لاحقًا (انقطاع خدمات، خسارة بيانات، تأثير سياسي واقتصادي). الفشل في التحرك الآن يعني الاستمرار كـ«هدف سهل» في رقعة صراعات إقليمية رقمية متصاعدة.
قائمة المصادر (المستخدمة في الورقة):
- Government of Iraq / US Embassy — إعلان اعتماد استراتيجية وطنية للأمن السيبراني 2022.
- CERT.gov.iq (IQ-CERT) — الفريق الوطني للاستجابة للحوادث.
- ITNews / SecurityWeek — حول تعاون IQ-CERT مع شركات استخبارات التهديدات (2024–2025).
- Recorded Future / CyberScoop — تقارير عن حملات تجسس وهجمات موجهة ضد مؤسسات عراقية وكردية.
- Carnegie Endowment / Chatham House — ثغرات قانونية وغياب تشريعات فعالة لحماية البيانات والجرائم الإلكترونية.
- Arab News / Baghdad Post — إشارات عن إدخال الأمن السيبراني في الخطط الوطنية العراقية.
